مرتضى الزبيدي
426
تاج العروس
اسْتَأْثَر اللهُ بالوفاءِ وبِالْ * حَمْد ووَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلاَ قال : وتأْوِيلُه عندي أَنَّ العَرَب كانَ شأْنُها أَن تَذُمَّ الدّهْرَ وتُسُبَّه عند الحوادِثِ والنوازِلِ تَنْزِلُ بهم ، من مَوْت أَو هَرَم ، فيقولون أصابَتْهُم قَوَارِعُ الدَّهْرِ وحَوادِثُه ، وأبادَهم الدَّهْرُ ، فيَجْعَلُون الدَّهْرَ الذي يَفعل ذلك فيَذُمُّونه ، وقد ذَكَروا ذلك في أَشْعَارهم ، وأَخْبَر الله تعالَى عنهم بذلك في كِتابِه العَزِيز ( 1 ) ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال " لا تَسُبُّوا الدّهرَ . . " على تأْوِيل لا تَسُبّوا [ الدهر ] ( 2 ) الَّذي يَفْعَلُ بكُم هذِه الأَشْيَاءَ ، فإنَّكُم إِذَا سَبَبْتم فاعِلَهَا فإنَّمَا يَقَع السَّبُّ على الله ، لأنّه الفاعلُ لها لا الدَّهْر . فَهذا وَجْهُ الحَدِيث . قال الأَزْهَرِيّ : وقد فَسَّر الشَّافِعِيُّ هذا الحَدِيث بنَحْوِ ما فَسَّرَه أَبو عُبَيْد ، فظنَنَتْ أَنَّ أبَا عُبَيْد حَكَى كلامَه . وقال المُصَنِّف في البَصَائر : والذي يُحَقِّق هذا الموضِع ويَفْصِل بين الرِّوايَتَيْن هو قوله : " فإنًّ الدَّهْرَ هو الله " ، حَقِيقَتُه : فإنَّ جالبَ الحوادث هُوَ اللهُ لا غَيْرُ ، فوضَعَ الدَّهْرَ مَوْضِعَ جالِبِ الحَوَادِثِ ، كما تقول : إنَّ أبا حَنِيفَة أبُو يُوسفَ ، تُرِيد أَن النِّهَايَة في الفِقْه هو أَبُو يُوسفَ لا غيره . فتضع أبا حَنِيفَة مَوْضَع ذلِك لشُهْرَتِه بالتَّناهِي في فِقْهِه ، كما شُهِرَ عندَهم الدَّهْرُ بجَلْبِ الحوادثِ . ومعنَى الروايَةِ الثانيةِ " إنَّ اللهَ هُو الدَّهْر " ، فإنَّ اللهَ هو الجالِبُ للحوادثِ لا غَيْرُ ، رَدّاً لاعتقادِهِم أَنّ جالبَهِا الدَّهْرُ ، كما إِذَا قلتَ : إنَّ أَبا يُوسفَ أبو حَنِيفَةَ ، كان المعنَى أنَّه النِّهَايَة في الفِقْه . وقال بعضُهُم : الدَّهْر الثانِي في الحَدِيث غير الأوّل ، وإنما هو مَصْدَرٌ بمعنَى الفاعلِ ، ومَعْنَاه إنَّ الله هو الدَّهْر ، أَي المُصرِّف المُدَبِّر المُفِيض لِمَا يَحْدُث ، انتهى . قلتُ : وما ذَكَرِه من التَّفْصِيل وتأْوِيلِ الرِّوايَتَيْن فهو بعَيْنه نَصُّ كلام الأَزْهَرِيّ في التهذيبِ ، ما عَدا التَّمْثِيل بأبِي يُوسفَ وأبِي حنيفة . وأما القَوْلُ الأَخِيرُ الذي عَزَاه لبَعْضهم فقد صَرّحوا به ، واستَدَلُّوا بالآيةِ ( يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفصِّلُ الآيَاتِ ( 3 ) ) ، ونسبُوه للراغِب . وقد عَدَّ المُدَبِّرَ في الأسماءِ الحَسَنِى الحَاكِمُ والفِرْيَابِيّ من رِوَاية عبد العزيز بن الحُصَيْن ، كما نقله شيخُنَا عن الفَتْح ، ولكن يخالِفُه ما في المُفْردات له بَعْد ذِكْرِ مَعْنَى الدَّهْرِ تأْوِيل الحَدِيث بنَحْو من كلامِ الشافعيّ وأبي عُبَيْد ، فليُتَأَمَّل ذلك . قال شيخُنَا : وكأَنَّ المُصَنِّفَ رَحِمه اللهُ قَلَّد في ذِلك الشَّيْخَ مُحْيِيَ الدِّينِ ابن عَربِيّ قُدِّسَ سِرُّه ، فإنَّه قال في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات : الدَّهرُ من الأسماءِ الحُسْنَى ، كما ورَدَ في الصّحِيح ، ولا يُتَوَهَّم من هذا القولِ الزَّمَانُ المعرُوفُ الذي نَعُدُّه من حَرَكاَتِ الأَفْلاكِ ونَتَخَيَّل من ذلِك دَرَجَاتِ الفَلَك التي تَقطَعها الكواكبُ ، ذلِك هو الزَّمَان ، وكلاُمنا إنَّمَا هو في الاسمِ : الدَّهْرِ ، ومَقَاماِته التي ظهر عنها الزمانُ ، انتهى . ونَقَلَه الشيخُ إبراهِيم الكُورانيّ شَيْخُ مَشايخنا ، ومالَ إلى تَصْحيحه . قال : فالمحِّققون من أَهل الكَشْف عَدُّوه من أَسماءِ اللهِ بهذا المَعْنَى ، ولا إِشكالَ فيه . وتَغْلِيطُ عِيَاض القائل بأنه من أسماءِ الله مَبْنِيٌّ على ما فَسَّرَه به من كَوْنِه مُدَّةَ زَمانِ الدُّنْيَا ، ولا شكَ أنه بهذا المعنَى يُغْلَّط صاحبُه . أما بالمعنَى اللائقِ كما فَسَّره الشيخُ الأَكبرُ ، أو المُدَبِّر المُصْرَّف ، كما فسَّره الراغبُ ، فلا إشكالَ فيه ، فالتغليط ليس على إطلاقه . قال شيخُنَا : وكان الأَشْياخُ يَتوقَّفُون في هذا الكلام بَعْضَ التَّوَقُّفِ لَمَّا عَرَضْته عليهم ويقولون : الِإشارات الكَشْفِيّة لا يُطلَق القَولُ بها في تَفْسِير الأَحاديثِ الصَّحِيحَة المَشْهُورَة ، ولا يُخَالَفُ لأَجلها أَقوالُ أئِمَّةِ الحَدِيث المَشَاهِيرِ ، والله أعلم . وقيل الدَّهْر : الزّمانُ قَلَّ أو كَثُر ، وهما وَاحداً ، قاله شَمِرٌ ، وأنشد : إنَّ دَهْراً يَلُفُّ حَبْلِى بجُمْلٍ * لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإْحْسَانِ
--> ( 1 ) قال جل وعز : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) . ( 2 ) زيادة عن التهذيب . ( 3 ) سورة الرعد الآية 2 .